الزواج
هو أهم ظاهرة في الحياة الإنسانية على
الإطلاق. هو محور الحياة الفردية للرجل
والمرأة على السواء. وهو أساس الحياة
الاجتماعية والخلية الأولى لها. وهو
الملهم الأول لكل طموح إنساني. من أجل
ذلك أحاطه الإنسان بهالة من القداسة،
واهتمت جميع الشرائع والأديان بتنظيمه
وتحديد شروطه.
والأحكام
الشرعية الإسلامية نوعان : منها ما هو
ثابت بأصوله وفروعه في القرآن الكريم
والسنة المطهرة وبالتالي يكون مجال
الاجتهاد فيه ضيقاً ومحصوراً بفهم
النصوص الواردة وكيفية تطبيقها على
الواقع. ومنها ما هو ثابت بأصوله في
القرآن الكريم، وقد ترد بعض النصوص التي
تتناول بعض فروعه، لكن مجال الاجتهاد
هنا واسع خاصة حين حصول وقائع جديدة
بحسب تطور المجتمعات البشرية، ويكون من
واجب العلماء الاجتهاد لمعرفة حكم هذه
الفروع الجديدة بناءً على الأصول
الثابتة.
وأحكام
الزواج في الإسلام من النوع الأول، فقد
ورد كل ما يتعلق به في نصوص قطعية في
كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ذلك لأن ظاهرة الزواج في
الحياة الإنسانية لم تتغير منذ وجد
الإنسان، ومن الطبيعي أن يكون تشريعها
ثابتاً لا يتأثر بتطورات المجتمعات
المختلفة. والمسلم ليس مخيراً في قبولها
أو رفضها، وهو إذا رفض أي حكم شرعي
واستبدله بحكم آخر عن قناعة أو رضى فقد
أخرج نفسه من ربقة الإسلام. قال تعالى : (وما
كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله
ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من
أمرهم).
والزواج
المدني المطروح في لبنان ليس القصد منه
إجراءات عقد الزواج فهذه بالنسبة
للإسلام إجراءات مدنية، وليس شرطاً
وجود أحد المشايخ عند عقد الزواج. ولكن
المقصود من الزواج المدني هو شروط عقد
الزواج وخاصة المحرمات التي لا يجوز
العقد عليها، ورفض بعض الأحكام الشرعية
المتعلقة بهذا الخصوص. والسبيل الوحيد
لتحقيق ذلك إعطاء حق التشريع في هذا
الموضوع لمجلس النواب وسحبه من خصوصيات
الطوائف التي حفظها الدستور. ومجلس
النواب يمكن أن يعدل قوانينه حسب قناعة
الأكثرية فيه أو أهواءها فيحلل ما حرم
الله، أو يحرم ما أحل الله، وليس على
المسلم إلا أن يطبق هذه القوانين.
إن
الزواج المدني يطرح في لبنان من قبل
العلمانيين منذ الخمسينات، والقصد منه
تعميق الوحدة الوطنية وإزالة الحواجز
الطائفية بين المواطنين وجعل الانتماء
للوطن مقدماً على الانتماء للطائفة،
وقد تبنى كثير من زعماء النصارى هذه
الدعوة من قبيل الالتفاف ضد إلغاء
الطائفية السياسية.
إن
لبنان يتكون من سبع عشرة طائفة وهي
تنقسم إلى مجموعتين كبيرتين : الطوائف
المسيحية والطوائف الإسلامية، وبينها
اختلافات كثيرة في العقائد والعبادات
والشرائع، ولذلك فقد تم التوافق بين
الجميع في إطار الدستور اللبناني على
احترام خصوصيات الطوائف وأنظمة أحوالها
الشخصية، وأن التشريع اللبناني الموحد
يبقى خارج إطار الأحوال الشخصية، أما في
المجال السياسي فقد نص الدستور على أنه
إلى أن يتم إلغاء الطائفية يجري توزيع
الوظائف بين الطوائف بالعدل. مما يعني
أن إلغاء الطائفية السياسية ليس
مرتبطاً بقوانين الأحوال الشخصية.
إن
القول بأن الزواج المدني يعمق الوحدة
الوطنية ويجعل الانتماء للوطن مقدماً
على الانتماء للطائفة لا يمكن أن يكون
صحيحاً في لبنان.
* فكل
بلاد العالم التي شرّعت الزواج المدني
تعتبر نسيجاً واحداً تقريباً، فإما أن
تكون أكثرية مواطنيها مسيحيين ـ كما في
أوروبا ـ أو أن يكونوا مسلمين كما في
تركيا وتونس، وفي هذه الحالة يمكن إقامة
نظام واحد للزواج المدني وهو بطبيعة
الحال يراعي توجهات الأكثرية.
* أما
لبنان فمواطنوه منقسمون بين مسيحيين
ومسلمين، وبالتالي فإن أي نظام موحد
للزواج المدني إذا تبنى أحكام
المسيحيين فسيشعر المسلمون أنهم
يخالفون دينهم باتباعه، وإذا تبنى
أحكام المسلمين سيشعر المسيحيون أنهم
أرغموا عليها.
*
وبالنسبة للمسلمين فإن أحكام الزواج
عندهم في أكثرها لا تقبل الاجتهاد وهي
نصوص إلهية ملزمة. ولا يمكن لأي نظام
موحد للزواج المدني أن يأخذ بهذه
الأحكام وإلا كان مرفوضاً من غير
المسلمين وهذا حقهم. وإذا قام مثل هذا
النظام وتبنى أحكاماً مخالفة للأحكام
الشرعية فإن المسلم سيقع في تنازع بين
الولاء للوطن والولاء للدين. إن أكثر
المسلمين في هذه الحالة سيفضلون الولاء
للدين، فهل يكون هذا الأمر تعميقاً
للوحدة الوطنية أو تهديماً لها؟
إن
الذين يطرحون الزواج المدني في لبنان
يتصورون أن المسلمين سيتخلون عن
أحكامهم الشرعية كما تخلى كثير من
المسيحيين عن أحكام الكنيسة، ولا
يلاحظون الفرق بين الحالتين :
*
فأحكام الكنيسة حول الأحوال الشخصية
أكثرها اجتهادات بشرية، والقليل منها
في الإنجيل ولذلك فإن المسيحيين قد
يقبلون بالزواج المدني لأنه في مجمله
اجتهادات بشرية يقوم بها المجلس
النيابي بدل رجال الكنيسة وكلهم بشر.
* أما
بالنسبة للمسلمين فإن أحكامهم حول
الزواج أكثرها كما قلت نصوص إلهية ملزمة
سواء في القرآن الكريم أو في السنة
المطهرة، وبالتالي فليس سهلاً على
المسلم أن يقبل استبدالها بأحكام
بشرية، فضلاً عن أن من يفعل ذلك راضياً
مقتنعاً فقد أخرج نفسه من الإسلام. ولا
يقال إن المسلمين قبلوا الزواج المدني
في تركيا وتونس لأن المسلمين هناك لم
يستشاروا بل فرض عليهم ذلك فرضاً من قبل
الأنظمة المستبدة. ورغم ذلك فأن نظام
الزواج المدني هناك يتبنى أكثر الأحكام
الشرعية لأن مواطنيه مسلمون فيقلّ
الحرج على الناس في التزامه، أما في
لبنان فلا بد من اختلاف أكبر يجعل
المسلم في تناقض بين الولاء للوطن
والولاء للدين.
* وما
هي المصلحة في إقحام المسلمين في هذا
الموقف الحرج، وهل الوحدة الوطنية في
لبنان لا تقوم إلا على حساب الإسلام،
وإذا قامت على هذا الأساس فهل يمكن أن
تدوم، بل هل يبقى لبنان وطناً لجميع
أبنائه مسلمين ونصارى إذا قُهر
المسلمون بمثل هذا النظام؟ إن طرح
الزواج المدني في لبنان يعتبر في نظرنا
مشروع حرب أهلية جديدة، ومؤامرة لتهديم
لبنان وتمزيق الوحدة الوطنية فيه.
* نحن
مسلمون ديناً ولبنانيون وطناً ولا نشعر
بأي تناقض في هذا طالما أن لبنان الوطن
يحترم نظام الأحوال الشخصية لكل
طوائفه، ويتيح الحريات لجميع أبنائه،
وسنظل نطالب بإلغاء الطائفية السياسية
من أجل تحقيق العدالة والمساواة بين
الجميع لا من أجل تغليب طائفة على أخرى.
* إننا
نعتقد أن صون لبنان وحماية الوحدة
الوطنية فيه لا يتحقق إلا بأمرين :
احترام
الطوائف وأحوالها الشخصية.
ثم
المساواة التامة بين جميع اللبنانيين
في الحقوق والواجبات.
أما
طرح المشروع ليكون اختيارياً فهو هرطقة
قانونية
*
أولاً لأنه لا معنى للقانون إلا أن يكون
ملزماً للجميع.
* وهل
يمكن أن يختار المواطن المسلم بعض
الأحكام من القانون المدني باعتباره
لبنانياً ويختار أحكاماً أخرى من
الشريعة باعتباره مسلماً؟
* وإذا
كان من غير الممكن عملياً الاختيار في
مفردات الأحكام (كأن يختار مثلاً أحكام
الطلاق من القانون المدني وأحكام العدة
من القوانين الشرعية) فإن الاختيار يقع
إذاً على القانون بجملته أي أن المسلم
إذا اختار القانون المدني وجب عليه
الالتزام بكل فقراته. وإذا اختار
القوانين الشرعية وجب عليه الالتزام
بها كلها.
* وهل
يمكنه أن يغيّر اختيار قانونه كما يغيّر
دينه أو طائفته عندما يريد؟ إن كان هذا
ممكناً فإنه يفتح باب التلاعب
بالقوانين على مصراعيه، ولا يعقل أن
يكون مطلوباً. وإن كان غير ممكن أصبح
القانون الاختياري أكثر إلزاماً من
الانتماء الطائفي وهو أيضاً غير معقول.
* لذلك
يبقى اقتراح أن يشكل المواطنون
الراغبون في الزواج المدني طائفة جديدة
ويخرجون من طوائفهم السابقة إن أرادوا،
ويوضع لهم قانون إلزامي للزواج المدني
والأحوال الشخصية، يبقى هذا الاقتراح
أكثر جدية من قانون اختياري يميّع مسألة
الالتزام بالطوائف أو بالقوانين.
* أو
يمكن قبول اقتراح قانون موحّد للأحوال
الشخصية لا يخضع له المسلمون كما هو
الحال في عدة قوانين لبنانية وكما
اقترحت الكتلة الوطنية.
المستشار
الشيخ فيصل مولوي