تركناهم
وحدهم.
مخيم
جنين. مخيم اللاجئين الذين سيلجأون
للمرة الثانية. تركناه يسقط حجراً ودماً.
ومعه سقطت كرامتنا. أيوجد فينا من لديه
كرامة؟! سؤالٌ واقعيٌ أتمنّى أن لا يؤخذ
على أساس من فورة الغضب. كلاشنات وبضع
أرطال من المتفجّرات أمام آلية عسكريّة
جبارة أذهلت مراسلاً وجعلته ينطق: يبدو
أن لكلّ يهوديّ دبابة. هذا هو ميزان
القوى بين الفلسطنيين وبين الكيان
الصهيوني. نعم الكيان! فلا قدرة لي بعد
الآن على تعصيب عينيّ بادعاء العقلانية
والواقعية لتسمية أخرى. الكيان. الكيان
المحشوّ انحطاطاً أخلاقيّاً لا نظير له.
انحطاطٌ يصيب المرء في صميم إدراكه
العقلي "لمن ينفرون من المصطلحات
الإنسانية ذات الصبغة الوجدانية".
تسير
الدبابة الإسرئيلية بحقد غريب على
سيّارة مدنية فلسطينيّة، فيبدو معدن
السيّارة وهو يتقوض مثل ورق. لا بد أن
سائق الدبابة يتلذّذ، وإلا ما الذي
يدفعه على ترك كلّ عرض الشارع ليعتلي
بدبّابته سيارة ساكنة؟!. يعرّون النساء
بحثاً عن متفجرات. تصورْ يا أنتَ من تكون
وحيثما تكون امرأتك حبيبتك أختك تنزع
ثيابها قطعة قطعة وفوهة العوزيّ تأمر
بالعبرية أو بالصمت مشيرة: كلّ شيء. كلّ
شيء حتى السروال الداخليّ. عمليّاً؛
دعني أخفف عنك؛ رمزياً اغتصبت أنثاك يا
أنتَ من تكون وحيثما تكون.
نقل
لي فلسطينيّ ممن ألفوا السجن
إسرائيلياً وعربياً أنّ وحدة حالٍ
عجيبة رآها هناك وهنا، تتمثّل في الطلب
من المعتقل المعرّى من كلّ شيء بأن يقوم
بحركتي أمان. بربكم بماذا فكّرتم الآن؟!
إلى أين أوصلكم خيالكم وأنتم تحاولون
القبض عن معنى في هاتين الكلمتين: حركتا
أمان؟! أعجزتم؟! إذن المطلوب من المعتقل
- لا تنسوا أنّه عار - إجراء قرفصة ونهوض
لمرتين تحسّباً من أن يكون قد أخفى
شيئاً في .. !! قلماً ورقة سيجارة أو ربّما
فكرةً. قدْ .. وقدْ .. أما المقصود فهو
الإهانة والحطّ من الكرامة. هلا قلّدتم
من فضلكم هاتين الحركتين منفردين
والباب مغلقٌ أمام المرآة. هل شعرتم
بالخزي؟ إذاً لماذا لا تشعرون بشعوره؟!
أحجارٌ
وصخور وبشرٌ في جنين تلقّوا أطناناً من
حقد متفجّر وجورج بوش يسخر من كلّ ذي عقل
"على عرفات أن يقوم بمائة بالمائة من
الجهد". عرفات ومساعده والمعتصمون
معه في غرفتين ورجل الكاوبوي الذي ينطق
من شفتين تشبهان جلداً مشدوداً على
كمّاشة يتفنّن بالإهانة. إهانة من؟
برأيي إنّها إهانة لعقلك وعقلي.
"عرفات
خيّب آمال شعبه!". انظروا القحة. يا
للبجاحة! شخصيّاً اعتقدت مع من اعتقد في
هذا الجزء من العالم أن لسان بوش تزحلق
بطريقة غير مقصودة عندما أطلق صفة
الصليبيّة على حربه القادمة ضدّ
الطالبان والقاعدة. لكن لا. والدليل هو
ما نراه. أين المعول الأيديولوجيّ الذي
ساهم في تقويض المعسكر الاشتراكيّ: حقوق
الإنسان! أم أن حقوق الإنسان هي الأخرى
تقاس على مقاس هاجر وسارة. حقوق إنسان في
العراق وحقوق قتل للأغيار في فلسطين.
فلسطين
الآن قضيّة أخلاق بامتياز. دعْكم من صفة:
أرض محتلة. دعكم من صفة شعب تحت الاحتلال.
حدقوا بالكلام العنصريّ الذي نُخاطب به
"نحن البشريّة" من قبل
الإسرائيليين. تمعّنوا في المعنى تجدون
أنتم الأوربيّين أنفسكم رهائن أبدية
لتاجر بندقيّة لا يرضى حتى لو أشعلتم له
أصابعكم شموعاً. أما نحن العرب فكتلة من
الزبالة، تجرف الجرافة بيوتنا متى ما
حانت نوبتها، ونُحرق متى رغب عسكريّ
إسرائيلي في إنقاص عناصر من قنبلتنا
الديمغرافيّة المزعومة. من قبل أنشأ
كافكا في قصته "بنو آوى وعرب" (كُتبت
في عام 1917، العام الذي صدر فيه وعد بلفور)
على لسان زعيم بني آوى الممثل رمزياً
لليهود وهو يقدم مقصّاً صدئاً لرجل أبيض
قادم من الشمال (إشارة إلى أوروبا) طلباً
بقصّ وطن من هذه الجغرافيا الواسعة
لأنّهم لا يستطيعون شمّ رائحة إبط
العربيّ ولو كانت آتية مما بعد الأفق
ولأنّ مياه النيل كلّها لا يمكنها تطهير
قطرة واحدة من دم عربيّ. يا للنجاسة!
العار
لحق بالضمير الإنساني منذ سكت على تشريد
بشر من بيوتهم إلى خيام تنفخ فيها الريح
وينفخ فيها الإهمال. العار لحق بالضمير
الإنساني منذ علم إنسان، أيّ إنسان، أن
لساكن الفولغا أو بولندا أو لندن أو
نيويورك الحق في أن يكون إسرائيلياً
عائداً من التيه على الفور، بينما يُطرد
فلسطينيّ ويمنع فلسطينيّ من العودة إلى
بيته الذي بناه بيديه على أرض لا يعرف
وطناً غيرها. والأنكى والأشدّ مرارة أن
يسكن يهودي قادم من تلك الأصقاع بيت ذاك
الفلسطينيّ في الواقع لا في الرمز.أن
يسكن يهودي قدم أخيراً بيتَ صاحبي
الفلسطيني في حيفا، البيت الذي يحمل
صاحبي نسخة فوتوغرافية له من نسخ عديدة
موزّعة على العائلة المشتّتة في أنحاء
الدنيا.
فلسطين
الآن عار على كلّ إنسان يعلم ولا يفعل
شيئاً. فلسطين الآن قضيّة أخلاق بامتياز
وإلا ابصموا لذلك الخرتيت الهائج الذي
ما إن غزا لبنان 1982 وأشرف على مجزرة صبرا
وشاتيلا حتى غزت صورته الصحف الغربيّة
وهو يضم بحنان كلبه. حنان ما بعده حنان.
حنان لا يماثله سوى التعبير الدافئ في
عيني كلب الرئيس بوش عندما نزل من طائرة
الهليكوبتر برفقة زوجته إثر أنباء
الانتصار العظيم على كهوف تورا بورا،
آنذاك أيضاً كان الرئيس يحضن كلبه الآمن
بيد وباليد الأخرى يشير للكاميرات،
يعني لنا نحن البشر المذهولين، إشارة
ودّ وثقة.
احرصوا
إذن أيّها الناس متى ما رأيتم أحداً من
أولاء يحمل كلباً أو يحضنه. احرصوا
وتنبّهوا فالداهية تنبع من هذه الصورة.
أمّا إذا رأيتم أحدهم يقبّل كلباً
فاعلموا أن الأعظم قادم. ولمَ لا يكون
قنبلة نوويّة؟ قنبلة نووية تكتيكية
تزيل جزءاً من بغداد فقط.
يا
للعارْ.
د.
محمد الحاج صالح – الرقة