|
إن
لكل حاسة من الحواس الخمس آلة عضوية
خاصة تردّ بها على التنبيهات الخارجية
بإحساس معين. فالأذن هي آلة حاسة السمع،
والعين هي آلة حاسة البصر. وهكذا...
ولكن
ما هي الآلة التي تحس بالشعور في حالاته
أو انفعالاته، عندما تتدفق معها المعاني والصور في تيار نفسي؟ وبتعبير
أبسط. أية حاسة أو ملكة تستطيع أن تجعلني
أعي حالاتي الشعورية التي تعتمل في
داخلي؟ لا شيء يجعلني قادراً على إدراك
حالاتي الشعورية ووعيها الاّ شعوري
ذاته، وذلك بانعكاسه على نفسه.
بل
إن أحداً لن يستطيع أن يستدل على أي من
الحالات الشعورية التي يحياها الآخرون
إذا لم يكن قد سبق له أن عاناها هو
بالذات. فمن لم يعش مشاعر القهر
والحرمان والغربة مثلاً، لا يمكن أن
يشعر بحقيقة هذه الحالات لدى الآخرين
إطلاقاً، وقد قال الشاعر: (لا يدرك الحب
إلاّ من يكابده).
بعض
وجوه الاختلاف بين الحواس الخمس
والشعور:
إن
وجوه الاختلاف بينهما تنبع من تدرج
الحواس الخمس على سلم من الكثافة
المادية، ومن تجرد الشعور المطلق عن
المادة، وأن كره القائلون بالنظرية
المادية.
1-في
الفارق العضوي:
إن
أول اختلاف بين الحواس الخمس والشعور
يتجلى في أن للحواس الخمس أعضاء حاسة
تستجيب بها لمختلف التنبيهات الحسية،
وفي أنه ليس للشعور عضو خاص يدرك به
حالاته إلا ذاته، فهو آلة وعي ذاته.
2-في
ظاهرة التنبيه:
لا
بد للحواس الخمس من منبه حسي ما يؤثر في
العضو الحاس إما مباشرة كما في اللمس
والذوق والشم، وإما بصورة غير مباشرة،
كما في المرئيات والسمعيات.
أما
الشعور فلا يمكن أن ينبهه إلا معنى ما.
فإذا كانت المنبهات الحسية تستطيع أن
تثير في النفس شتى الانفعالات فإن هذه
الانفعالات لا يمكن أن تتحول إلى حالات
شعورية إلا من خلال معانيها. فأثر
الصفعة على الخد مثلاً، يرتبط بمعنى
الموقف. فإذا كان الأمر مزاح صديق أو
دعابة حبيب، ظل محدوداً في نطاق الألم
الموضعي، هذا إن شعر مثل هذا الإنسان
بألم ما. أما إذا كان الأمر جداً أو من
عدو، فإن أثر الصفعة يتعدى الجسد إلى
مشاعر الكرامة، فيطغى ألم النفس بذلك
على ألم الجسد، مهما تكن الصفعة قوية.
بل
إن الكلمة النابية التي لا تؤذي الجسد
أصلاً، قد تكون أحز في المشاعر وأقطع في
النفس من طعن الجسد بسكين. ومنه قول
الشاعر: جِراحات
السنان لها التئام
ولا يلتام ما جرح اللسان
3-في
عتبة الإحساس:
كيما
تتنبه حاسة اللمس في أطراف الأصابع
بالضغط مثلاً، لا بد لها من ثقل يزن
ثلاثة غرامات على السنتمتر المربع.
وكيما تتنبه حاستا الذوق والشم بطعم ما
أو رائحة، لا بد من مزج كميات محدودة
منهما في مقادير معينة من السوائل
المائية أو الهوائية. وكيما تتنبه حاسة
البصر بضوء ما، لا بد أن يقع طول موجة
شعاعه بين 390-670 ميلليمكرون. وكيما تتنبه
حاسة السمع بصوت ما، لا بد أن تقع ذبذبات
موجاته بين (20.2)ألف في الثانية.
أما
مسألة تنبيه الشعور لإثارة بعض الحالات
فإنها لا تخضع إطلاقاً إلى أي شرط كمي
محدد. فقد تجرح كرامة أحدهم نبرة صوت، أو
تقطيبة جبين، أو ليّة عنق. وقد لا يشعر
آخر بأي مهانة في أن يركع مطأطئ الرأس
لقضاء حاجة عابرة. في الحواس (كم)، وفي
الشعور (كيف). هناك أرقام ومقادير، وهنا
تربية وثقافة.
4-في
عتبة الفارق الحسي:
تتكيف
الحواس مع أحاسيسها المعتدلة بسرعة،
فلا تدرك الزيادة أو النقصان فيها إلا
إذا زادت شدة المنبه أو نقصت بنسب معينة.
ففي
الإحساس بالضغط مثلاً، يجب أن تبلغ
الزيادة أو النقصان 1/20 من وزن الثقل
كيما يحس الإنسان بالفارق بين الضغطين.
أما مقدار هذه النسبة لبقية الحواس فهي
1/100 للإحساس البصري، 1/5 للإحـســاس
بالحرارة 1/3 للإحساس الشمي والذوقي،
وهذه النسب تعرف بكمية (فيبير).
ولما
كانت الحواس تتكيف بسرعة مع أحاسيسها
المعتدلة، فهذا يعني أن الإنسان لا يحس
إلا بالفارق الحسي الذي يسميه علم النفس
عتبة الفارق. (مبادئ علم النفس للدكتور
يوسف مراد ص65-66).
ولما
كان الشعور لا يخضع أصلاً لشروط عتبة
الإحساس، فمن البداهة أن لا يخضع لشروط
عتبة الفارق الحسي.
أما
عتبة فارق الحس الشعوري (إن صح التعبير)
للإنسان الواعي الشديد التهذيب بمعرض
استهدافه لعبث طفل، أو حماقة جاهل، إنما
هي أكثر بكثير منها لدى الشخص العادي.
فالقضية بالنسبة للأول ليست مجرد ضبط
نفس وحسب، وإنما هي فوق ذلك انعدام
الشعور بالمهانة. فالفارق الثقافي
والتربوي بين المستويين هو الذي يجعل
فارق الحس الشعوري بينهما كبيراً جداً،
وإن تعرضا لذات الإثارة.
بينما
عتبة فارق الحس الشعوري للإنسان العاشق
الرقيق العاطفة، بمعرض علاقته بالحبيب
مثلاً، إنما هي أرهف بما لا يقاس مما هي
مع الآخرين، فقد يجمد الدم في العروق
لنظرة باردة، وقد تهتز المشاعر حتى
الأعماق لبسمة حانية.
5-في
انتقال الأحاسيس:
إن
تنبيه الحواس الخمس لا يمكن أن يتعدى
جسد صاحبها إلى أجساد الآخرين، فمن
يتذوق طعماً طيباً لا ينتقل بالعدوى إلى
غيره، وليس من يُقرع بالعصي كمن
يعدُّها، كما يقول المثل. ولكننا نستطيع
أن نحسّ بمشاعر الآخرين عن طريق
المشاركة الوجدانية من خلال مواقفهم
عندما نعيها. فصرخة (وامعتصماه) التي
أطلقتها امرأة عربية في أسر الروم، قد
أثارت مشاعر الكرامة والعزة والنخوة في
نفس المعتصم، فتحرك إلى قتالهم
لإنقاذها.
بعض
وجوه التوافق بين الحواس الخمس والشعور:
إن
وجوه التوافق بينهما تعود أصلاً إلى
قيامهما على التوازي بوظيفتي الإحساس
والإدراك، منها:
1-
ظاهرة الإحساس:
أ-
عندما تتلقّى إحدى حواسنا تنبيهاً ما،
فإن عصباً حسياً معيناً هو الذي ينقل
هذا الإحساس إلى المركز الحسي المختص في
اللحاء (القشرة الدماغية) ولو نبه هذا
العصب المورد بطريقة صنعية (تيار
كهربائي، ضغط، مواد كيماوية)، لحصل
الإحساس نفسه في اللحاء أيضاً. ولذلك
إذا نبه العصب الذي كان يربط أصابع اليد
قبل قطعها، فإن صاحب اليد المقطوعة يحس
بأكّال في أطراف أصابعه وكأنها لا تزال
موجودة، وهذا ما يسمى بخداع المبتور (المرجع
السابق ص64).
وذلك
على مثال ما تثار في شعورنا ذات الحالات
التي سبق لنا أن عانيناها في مواقفنا
الخاصة، بمجرد ما نقرأ عنها في قصيدة أو
قصة، أو نسمع عنها في حكاية أو نشاهدها
في مسرح أو على شاشة. وهذا ما يتيح
للثقافة والفنون أن تؤديا أدوارهما في
تهذيب مشاعرنا وتنميتها، وذلك بما
تتيحه لنا من الفرص لاستعادة حالاتنا
الشعورية السابقة (المبتورة) ونحن أهدأ
نفسا وأكثر موضوعية وأغنى تجربة.
ب-
المنّبه الخارجي لا يولّد الإحساس،
وإنما يحوّل الإحساس الكامن في اللحاء
إلى إحساس فعلي واضح. وإن المنبه الحسي
هو مجرد منشط للطاقة الداخلية وللإحساس
الكامن. فوظيفة الجهاز العصبي الذي ينقل
هذه التنبيهات إلى اللحاء الدماغي، هي
توجيه آثار هذا التنشيط وتركيزه
وتحديده في المناطق الخاصة به من البدن،
وإن كانت هذه المناطق مبتورة كما في
المثال السابق.
أما
إذا كان المركز الحسي في اللحاء قد
أصابه التلف، فلا جدوى من تنبيه العصب
الحسي المورد الخاص به وإن بقي العضو
دون بتر.
ولذلك
فنحن عندما نحس بالأشياء والمنبهات،
فإننا نحس أنفسنا بأنفسنا بفعل تأثير
المنبهات الخارجية في حواسنا (المرجع
السابق ص65).
وهكذا
الأمر مع مشاعرنا. فنحن عندما نعي حالة
شعورية نعانيها، إنما نعي شعورنا
بشعورنا، كما نحس أنفسنا بأنفسنا،
ليتحول الشعور بذلك إلى (لحائنا)
الشعوري كمستودع للقيم.،إذا صح التعبير.
فعندما
يعترضنا حادث ما يتطلب اتخاذ موقف معين (كمنبه
شعوري). فإننا نعي هذا الموقف، ونتخذ
القرار بصدده سلباً أو إيجاباً من خلال
ما في (لحاء نفوسنا) من معاني القيم
والمفاهيم.
فذو
النخوة مثلاً، قد يضحي بمصلحته، وقد
يخاطر بحياته نجدة لإنسان في مأزق، أما
معدوم النخوة فلا يبالي. ذلك أن هذا
المأزق قد أثار في نفس الأول من القيم
الإنسانية ما حفزه إلى نجدة المحتاج،
أما الثاني فلم يجد المأزق لديه أي قيمة
إنسانية يثيرها في (لحائه الشعوري) فكان
هذا المأزق بلا معنى، وظل معدوم النخوة
ساكناً بلا حراك (وذلك على مثال من أصاب
التلف مركزه الحسي أي (لحاءه الدماغي
كما لحظنا آنفاً).
2-
الإحساس والإدراك:
1-
قانون الشكل والأرضية:
كلما
ازداد التباين بين الإحساس وما يحيط به
من أطر وملابسات، يزداد الإحساس وضوحاً
فوقع الصوت في السكون، هو أقوى منه في
الضوضاء. واللون الأبيض على سطح أسود،
هو أبرز من اللون الأحمر على الأسود،
والرائحة العطرة في جو نقي، هي أنفذ
منها في جو ملوث.. (المرجع السابق ص67).
والمشاعر
تخضع لهذا القانون. فالضحك في مأتم هو
أدعى لإثارة مشاعر الاستهجان أو الغضب
وما إليها، كما العويل في عرس. أما الضحك
في عرس، أو العويل في مأتم، فكمن يكتب
بالأبيض على الأبيض أو بالأسود على
الأسود، ليس ثمة ما يدعو لإثارة أي
مشاعر إنسانية أخرى.
ب-التكامل
الحسي والتكامل الشعوري:
إن
المراكز الحسية في اللحاء التي تتم فيها
عملية إدراك مختلف الأحاسيس، ليست
مستقلة عن بعضها أيضاً، فهناك ألياف
ارتباط عصبية تصل بينها وهذا ما يؤدي
إلى تكامل الإحساسات المختلفة في
العمليات الإدراكية المركبة (المرجع
السابق ص64). ولقد سبق أن رأينا في هذه
الدراسة أن الأصوات مثلاً، تستطيع أن
تنبه فينا مختلف الأحاسيس الحسية. وذلك
يعود إلى هذا التكامل الحسي. وهذا
التنبيه يكون مباشرة عن طريق مركز الحس
السمعي في القشرة الدماغية بفعل ألياف
الارتباط العصبية ( المختصة).. كما يمكن
أن يكون بصورة غير مباشرة، عن طريق صدى
الاهتزازات الصوتية في عظام الجمجمة
الداخلية وقحفها الخارجي والسوائل
الجمجمية، مما يتيح المجال لها كيما
تنبه مختلف المراكز الحسية في القشرة
الدماغية، ولو بشيء قليل من الوضوح.
ولكن
المشكلة في هذا التكامل، أن أحاسيس
الحواس الدنيا لا تستطيع أن تنبه الحواس
العليا، كما لحظنا ذلك في الهرم الحسي
المنكوس، بينما العكس صحيح. فهل ثمة
نظام هرمي مماثل في ألياف الارتباط
الحسية أيضاً؟. لا شك في ذلك أخذاً
بفطرية اللغة العربية.
على
أن التكامل في عالم الشعور هو أشد
وضوحاً وتلازماً منه في دنيا الأحاسيس.
فالتجارب الشعورية التي نعانيها تدخل
في نسيجنا النفسي كمعانٍ من القيم
الأخلاقية أو الجمالية. ايجابية كانت أم
سلبية. وتظل في حالة كمون في بنيتنا
النفسية، أي تحت الشعور، حتى إذا ما
أثيرت فينا إحدى الحالات الشعورية بعمق
لأي سبب كان، تأججت في نفوسنا مختلف
المشاعر الإنسانية كمعان من القيم
المتكاملة، لنلخصها في موقف إنساني
أصيل، أو في عمل فني بديع.
هذه
بعض العينات من مظاهر الاختلاف
والتوافق بين الحواس الخمس والشعور.
ومنها نرى أنه يوجد بين الحواس الخمس
نفسها من الفروق، أكثر مما يوجد بين
حاسة السمع والشعور، كما أنه يوجد
بينهما من وجوه التوافق أكثر مما يوجد
بين بقية الحواس.
وإذن
ألا يجوز لنا أن نعتبر الشعور حاسة
أيضاً، ولو من نوع خاص؟؟
ولكن
كيف يعمل الشعور كحاسة؟
لن
نذهب بعيداً مع الفلاسفة للخوض مباشرة
في مشاكل المعرفة والإدراك والوعي ومدى
علاقتها بالشعور. ولكننا سنعتمد في ذلك
بالدرجة الأولى علم النفس لمعرفة كيفية
قيام الشعور بوظيفته الإدراكية، على
غرار ما رأينا كيف عالج علم النفس مشاكل
الإدراكات الحسية، فنبقى بذلك ضمن نطاق
علم واحد يقوم على التجربة. وهذا أصلح
لنا وللقارئ كيما ننطلق من حقائق علم
النفس التجريبي إلى فضاء التأملات
الفلسفية أو الميتافيزية إذا رغبنا
وأحوجنا البحث.
هناك
منهجان اثنان في علم النفس يعتمدان
الشعور في الكشف عن الحالات الشعورية.
1-
المنهج الذاتي أو الاستبطان.
يرى
هذا المنهج أن الشعور وحده ليس صالحاً
ولا قادراً على إدراك الظواهر
البيولوجية (دورة دموية، إفرازات غدية،
انقباضات هضمية...)، ولا الظواهر
الاجتماعية، لأنهما خارجتان عن ساحة
الشعور. ولذلك فهو أصلح ما يكون لإدراك
الحالات الشعورية الداخلية. ولكن
لماذا؟
"لأن
الحالات الشعورية من حيث هي حالاتي أنا،
أختبرها بنفسي وأحياها، فإن إحساسي بها
هو إحساس مباشر" (المرجع السابق ص14).
ثم كيف؟
"وهذا
الإحساس المباشر أو الشعور الصرف
التلقائي، لا يصلح من الناحية
المنهاجية كطريقة للبحث العلمي، إلا
إذا انعكس على نفسه وأصبح إحساساً
بالإحساس، وتأملاً لما يجول في الذهن.
وانعكاس الشعور على نفسه هو ما يسمى
بالتأمل الباطن. أو الاستبطان". (المرجع
السابق ص14).
وهذا
المنهج يرى أنه لا يوجد شعور بحت منفصل
عن المشعور به، فالشعور هو دائماً شعور
بأمر ما. وهذا يعني أن هناك فعل الشعور (إدراك،
إحساس، وعي، معرفة...) ومحتويات الشعور (حالات
شعورية)، هما في الواقع أمر واحد.
وهكذا
اعتمدت في دراسة أصوات الحروف العربية
هذا المنهج بالذات، وذلك بأن أتأمل صدى
أصواتها في نفسي لإدراك خصائصها
ومعانيها كما مر معنا. وشأني في ذلك شأن
كل من قال بإيحاءات أصوات الحروف، لا
فرق بين من عرف منهم ما هو المنهج الذاتي
وبين من لم يعرفه.
على
أن أصحاب هذا المنهج، الأكثر التصاقاً
بالمتصوفين، قد نبهوا إلى المشقة
البالغة في عملية التأمل الباطني
القائمة أصلاً على وصف الحالة الشعورية
وتحليلها. وذلك لأنها تخالف الطبيعة
الإنسانية التي تنزع بصورة عفوية إلى
مشاهدة العالم الخارجي، لا العالم
الداخلي.
على
أن الديانة الفيدية في الهند، أقدم
أديان الضياع الروحي في تاريخ البشرية
كله، قد استخدمت هذا المنهج للمعرفة
الإنسانية منذ القرن العشرين قبل
الميلاد، ولكن بتعليلات دينية غيبية،
وقد نبهت هذه الديانة أيضاً إلى صعوبة
الاستبطان حيث تقول:
"أن
براهما (الإله) الواضح بذاته، قد تخلل
فتحات الحواس من الداخل فاستدارت هذه
الفتحات إلى الخارج. وبذلك كان الإنسان
ينظر في الخارج، وينظر إلى نفسه في داخل
نفسه".
بمعنى
أن الإله براهما كحقيقة ومعرفة ووعي،
موجود في داخل الإنسان، فنفذ إلى الخارج
عبر الحواس، ليصبح الإدراك الحسي
متجهاً بشكل عفوي من الداخل إلى الخارج.
أما
من يريد أن يعرف نفسه (حالاته الشعورية)،
فلا بد له أن ينظر إلى داخل نفسه. وهذا هو
الاستبطان صراحة، ليتأكد هذا المعنى في
العبارة الفيدية التالية:
"أما
الحكيم الذي يغلق عينيه ويلتمس لنفسه
الخلود، يرى النفس في دخيلة نفسه". (قصة
الحضارة لويل ديورنت المجلد الأول- جزء 3ص46-50.
وصعوبة
الاستبطان هذه تفسر لنا علة خفاء
الإيحاءات الصوتية للحروف العربية عن
الكثير من أساتذة اللغة العربية
ودكاترتها المحدثين. فالقضية كما سبق
ونبهت إليها في هذه الدراسة، ليست قضية
علم ومنطق، وإنما هي قبل ذلك قضية رهافة
أحاسيس وحيوية مشاعر مع المعاناة
الطويلة.
فمعرفة
خصائص أصوات الحروف ومعانيها عن طريق
الاستبطان، ليست ضرباً من التخيل
الواهم كما يدعي القائلون برمزية
الحروف العربية، وإنما هي حقيقة
واقعية، ما دامت معاجم اللغة والقرآن
وقواعد الصرف والنحو قد أيدتها إلى حد
بعيد، كما مر معنا في المقدمة، وهل ثمة
حقيقة إنسانية هي أثبت من هذه التي صمدت
أمام تغيرات الزمن وتقلبات الظروف
الحياتية والاجتماعية وما إليها طوال
آلاف الأعوام؟.
ولكن
إذا كان التأمل الباطني يستطيع أن يكشف
لنا اليوم عن خصائص أصوات الحروف
العربية ومعانيها، فكيف تم للعربي أن
يهتدي إلى هذه الحروف للإفادة من
خصائصها الحسية والإيمائية والشعورية
بمعرض التعبير عن حاجاته ومعانيه منذ
آلاف الأعوام؟
وإذن
أي منهج اتبعه العربي للاهتداء إلى
أصوات حروفه وخصائصها.
2-المنهج
التمثيلي، أو التقمص:
يقوم
هذا المنهج على أمرين اثنين: التأمل
الباطني، أي (الاستبطان) + الملاحظة
الظاهرة. وذلك بأن نستدل بالسلوك الظاهر
للآخرين على حالاتهم الشعورية بالقياس
مع حالاتنا الشعورية التي سبق أن
اختبرناها نحن بأنفسنا.
ونحن
في الحقيقة نستخدم هذا المنهج لفهم
مشاعر الآخرين وتأويل سلوكهم، وذلك بأن
نسقط عليهم ما نشعر به نحن فيما لو
وُجدنا في ظروفهم ذاتها. وهذا الضرب من
المشاركة الوجدانية يسميها علم النفس (التعاطف).
"قد
يتم التعاطف بدون الاستعانة باللغة،
بمجرد النظر الصامت إلى موقف الشخص
الآخر كأن الذاتين قد صُهِرتا في بوتقة
واحدة، وهذا ما يسمى بالتقمص الوجداني"
(مبادئ علم النفس ص20).
وعملية
التقمص الوجداني على رأي هذه المدرسة،
وأصْوِبْ به من رأي، لا تتناول الأشخاص
فحسب، وإنما تتعداهم إلى أشياء الطبيعة
وأحداثها التي تقع في العالم الخارجي،
أي خارج الذات.
"الحقائق
التي تكشفها عملية التقمص الوجداني، لا
تصلح مادة للدرس والتحليل إلا إذا صيغت
في عبارة لفظية كما يعبر الشاعر أو
الفنان الذي يستلهم الطبيعة ويتحد بها،
عما استشف خلالها من معان خفية طريفة"
(المرجع السابق ص20).
وهكذا،
فإن عملية التقمص الوجداني هي قوام
النزعة الفنية في الإنسان بمعرض اتصاله
بالطبيعة، أو تواصله مع الآخرين.
وعلى
الرغم من واقعة التركيب في عملية التقمص
الوجداني: (تأمل باطني+ الملاحظة
الظاهرة)، فإن هذه العملية فطرية في
الإنسان، قد مارسها عن طريق التقليد منذ
فجره الحضاري الأول. وذلك لأن التقليد
كضرب من ضروب التمثيل، ليس إلا تجسيداً
لعملية التقمص في حركات صِرفة، أو أصوات
صِرفة، أو في حركات مترافقة مع الأصوات.
وهكذا،
فإن تقمص الأشياء والأحداث للتعبير عن
معانيها بالحركات والأصوات المناسبة،
لا يتطلب بحد ذاته مستوى حضارياً
عالياً، على العكس من عملية الاستبطان
الصرفة، ففي التقمص الوجداني يوجد صور
حسية هي (الملاحظة الظاهرة)، يعتمدها
الذهن للتعبير عنها بالتقليد والتمثيل
في حركات وأصوات.
أما
عملية استبطان الأصوات لإدراك خصائصها
ومعانيها، فهي صرف من التأملات النفسية
المجردة بمعزل عن الصور الحسية (الملاحظة
الظاهرة)، مما يتطلب وعيها مستويات
نفسية وثقافية وفنية متميزة، وهذا ما
جعل الكشف عن خصائص الحروف العربية
ومعانيها صعباً ومحفوفاً بالمخاطر.
ولكن
ما هو دور عمليات التقمص والاستبطان في
إبداع اللغة العربية:
إذا
كنا استطعنا معرفة خصائص أصوات الحروف
العربية ومعانيها، باستبطان أصواتها
فلا بد أن يكون الإنسان العربي قد سلك
نهجاً نفسياً موازياً للاهتداء إلى
أصوات حروفه بمعرض التعبير بها عن
حاجاته ومعانيه.
فما
هو هذا النهج؟
بعد
أن تحدثنا مفصلاً عن الجذور الغابية
والزراعية والرعوية في أصوات الحروف
العربية، وبعد أن انتهينا من دراسة
الحروف العربية ومعانيها، فإننا في ضوء
ذلك، أصبحنا الآن أقدر على تقديم
الإجابة الأكثر دقة وواقعية عن هذا
التساؤل.
وإذن
فلنرجع في هذه المسألة إلى جذورها
التاريخية والطبيعية الفطرية.
1-
في المرحلة الغابية حتى الألف (14-12)ق.م:
لقد
بدأ الإنسان العربي في هذه المرحلة كأي
إنسان بدائي آخر مسيرته اللغوية بمعرض
تواصله مع أبناء جنسه خلال طورين اثنين
لكل منهما طريقته الخاصة في التعبير.
الطور
الأول: بالصراخ والأصوات الهيجانية
مصحوبة بحركات جسمية عفوية. وهذه
الطريقة غريزية بحتة لا شأن لها بعمليات
التقمص أو الاستبطان. وبعد عشرات ألوف
الأعوام وربما مئاتها بدأ الثاني.
الطور
الثاني: بأصوات مقتبسة من الطبيعة
مصحوبة بحركات إرادية تمثيلية. وبديهي
أن مجرد محاولة التعبير عن أحداث
الطبيعة وأشيائها بالحركات أو الأصوات
الملائمة، إنما هي عملية تقمص صريحة
مستوفية شروطها النفسية جميعاً. وذلك
بغض النظر عن مسألة مستوى البراعة في
التقليد، وقد أبدع العربي في هذه
المرحلة أصول الأحرف الهيجانية (ا-و-ي)
كما أسلفنا.
2-
في المرحلة الزراعية حتى الألف (9) ق.م:
لقد
سبق أن عرضنا أن المرأة العربية هي التي
اضطلعت بالمهام الحضارية البكر في هذه
المرحلة. ولذلك كانت مضطرة لإتقان
عمليات التقمص للتعبير عن حاجاتها
المستجدة بالإشارات اليدوية والحركات
الجسمية مترافقة بالأصوات المناسبة،
ليتحول بعضها فيما بعد إلى أصوات حروف،
كما في حروف (ف. ل. م. ث.ذ..).
ولقد
سبق أن شرحنا خصائص هذه الحروف ومعانيها
في متن هذه الدراسة.
أما
علاقة المرأة بهذه الحروف فقد عرضناها
مفصلاً في الدراسة الثانية (الحرف
العربي والشخصية العربية) ص131 وما بعدها.
ولقد
حافظ العربي عبر مراحل تطوره على معاني
هذه الحروف لصدق دلالة طريقة النطق بها
على الأحداث التي تمثلها.
3-
في المرحلة الرعوية حتى العصور
الجاهلية وفجر الإسلام:
على
الرغم من براعة الإنسان العربي رجلاً
كان أم امرأة، في عمليات التقمص سواء في
استخدام الأصوات الغابية الموروثة، أم
في إبداع أصوات الحروف الزراعية
المبتكرة، فإنه ظل ولا شك يعتمد مختلف
الحركات الجسمية المرافقة لتلك الأصوات
بمعرض التعبير عن حاجاته ومعانيه.
فالشعوب البدائية الغابية والزراعية،
لا يزال معظمها حتى الآن يعتمد الحركات
الجسمية المرافقة للكلام بمعرض التعبير
عن معانيه (قبائل الهنود الحمر.
البوشمان. سكان أميركا واوستراليا
الأصليون).
ولكن
بمجرد ما أن انتقل العربي إلى مرحلة
الرعي والتشرد قد وجد نفسه مكرهاً على
التخلي شيئاً فشيئاً عن حركات جسمية لا
تجديه نفعاً بمعرض تواصله مع أبناء جنسه
وكلاب الحراسة والمواشي، سواء عبر
المسافات البعيدة نهاراً، أم عبر
الظلام في الليالي الساهرة.
وكيما
يتخلى العربي الواعي عن تلك الحركات
الجسمية التواصلية، كان لا بد له أن
يستعين بنهجين اثنين:
آ-
أن ينفذ في عمليات تقمصه إلى صميم
الأشياء والأحداث والكائنات الحية،
لاستشفاف خصائصها المادية والروحية
بحدس فني صادق.
ب-
أن يختار الأصوات الملائمة للتعبير عن
معانيها إيحاء ومحاكاة، سواء مما ورثه
عن عهدي الغاب والزراعة، أم مما احتاج
إلى إبداعه من أصوات الحروف المبتكرة (ع.غ.ج.ح.ص.ض.ط.ظ).
ولئن
كان التعبير عن معاني الأشياء والأحداث
الخارجية يعتمد التقمص الوجداني (استبطان+
الملاحظة الظاهرة)، فإن الاقتصار في
التعبير عن معانيها على الأصوات دونما
حركات جسمية مرافقة ينقل المسألة
بالنسبة للسامع من قطاع التقمص إلى قطاع
الاستبطان الصّرف.
ذلك
أن الصوت في هذه الحالة هو الذي يوحي إلى
سامعه بمعناه. وهذا الإيحاء الذي يعتمد
صدى الأصوات في النفس، إنما هو بالنسبة
للسامع عملية استبطان صرفة، وليس عملية
تقمص قطعاً.
ولا
بد للإنسان العربي مبدع أصوات الحروف
والألفاظ، أن يكون قد بلغ مستويات نفسية
وفنية وثقافية راقية ليتقن اختيار
الأصوات المناسبة للتعبير عن المعنى
المناسب في عملية تقمص وجداني.
فالمطابقة
بين الصور السمعية والصور البصرية
للأحداث والأشياء في الطبيعة بلا وسيط
من حركات جسمية، يتطلب رهافة في
الأحاسيس وتأججاً في المشاعر.
ولكن
قد يتساءل معترض ما :
ما
شأن التقمص في اهتداء العربي إلى أصوات
حروفه الشعورية السبعة؟
فتقمص
المشاعر إذا صح هذا التعبير، إنما هو
انعكاس الشعور على الشعور، في عملية
استبطان صريحة وليس عملية تقمص.
لن
نتحدث في هذا الشأن عن حروف الصاد
والضاد والعين الشعورية. فما أكثر ما
يعثر الإنسان في الطبيعة على أحداث
وأشياء وأصوات تنطوي على الصفاء والصقل
وعلى الفخامة والفعالية وما إليها،
التي كان من الممكن أن يستوحي البدوي
منها في صحرائه أصوات هذه الحروف. ولن
نتحدث عن الخاء الشعورية، وقد سبق
الحديث عن احتمال نشأتها في المرحلة
الزراعية.
ولكننا
سنقتصر على الحديث الموجز عن حروف النون
للصميمية، والهاء للاضطرابات النفسية،
والحاء لعاطفة الحب والحنين. وسواء أكان
العربي قد اهتدى إليها في المرحلة
الرعوية أم في غيرها من المراحل فإنه لم
يتقن استعمال خصائصها ومعانيها إلا في
مرحلة رعوية متطورة.
فصوت
النون مقتبس من الأنين. والأنين هو
التعبير الهيجاني المباشر عن ألم
النّفس الداخلي، سواء أكان مصحوباً
بألم جسدي أم غير مصحوب.
وإذن
لماذا لا نقول أن العربي قد استبطن
مشاعره عندما كان يئن متوجعاً من ألم
عميق، فاهتدى إلى صوت النون؟
ولماذا
لا نقول أنه استبطن مشاعره عندما اهتزت
نبرات صوته في موقف فزع أو رهبة، فاهتدى
إلى صوت الهاء؟.
ولماذا
لا نقول أيضاً ثالثاً أنه استبطن مشاعره
عندما تملكت صوته بحة في انفعال عاطفي
ماسك للأنفاس فاهتدى إلى صوت الحاء؟.
وذلك
للتعبير عن هذه الحالات الشعورية.
ولكن
الإنسان عندما تجتاحه أمثال هذه
الانفعالات المتحكمة بالنفْس، لا يلجأ
إلى استبطان مشاعره، لتعطل ملكاته
الذهنية. وهو إن حاول ذلك، فلا بد لعملية
الاستبطان أن تتعرض إلى التشويه. وذلك
إما لانعدام التركيز الذهني بسبب
الانفعال، وإما لانخفاض حِدّة الانفعال
بمجرد تسليط الذهن عليه.
أما
إذا حصل الاستبطان بعد هدوء الانفعال
وانقضائه، فلا بد أن يناله التشويش
والتشويه لاعتماده على الذاكرة.
فالذاكرة في الانفعالات النفسية لا
يمكن أن تكون أمينة على الإطلاق (مبادئ
علم النفس ص16-219-223).
وإذن،
لماذا لا نقول: إنّ العربي قد لجأ بكل
بساطة إلى المنهج المباشر الأكثر عفوية
والأقل تعقيداً، وذلك بأن يتقمص شخصية
الإنسان الذي شاهده وهو يئن من الألم (طفل
-زوج- أخ...) فاستشف من ظاهر حاله وأنينه
النوني، معنى الألم الدفين الذي سبق أن
عاناه هو نفسه في وضع مماثل. وإذن فإنه
من طبيعة الأمور أن يستخدم العربي صوت
النون للتعبير عن الألم الباطني، ليطور
استخدامه مع الزمن تحت ضغط الحاجات
الثقافية، للتعبير عن الصميمية
والانبثاق والنفاذ وما إليها من معاني
الرقة والأناقة، كما مر معنا.
ولماذا
لا نقول أيضاً أن العربي تقمص شخصية
إنسان ما في موقف قد هز (الفزع أو الحزن
أو اليأس) نبرات صوته، فأسقط مشاعره
عليه واهتدى إلى صوت الهاء للتعبير عن
هذه المشاعر التي عاناها، ثم طور
استخدامه مع الزمن للتعبير عن معاني
مختلف الاضطرابات النفسية والعقلية
والتشوهات الجسدية، وما إليها.
وهكذا
الأمر مع حرف الحاء لبحته الصوتيه
العاطفية.
وبذلك
يكون العربي قد أبدع أصوات حروفه
الشعورية اقتباساً عفوياً من الطبيعة
والناس عن طريق التقمص الوجداني، وليس
عن طريق الاستبطان، أما نحن، فإننا
نستشف اليوم خصائص أصوات الحروف
ومعانيها عن طريق الاستبطان كما مر معنا
في هذه الدراسة، وما أوعره وأخطره من
طريق.
ولئن
كان العربي بنى ألفاظه عن طريق التقمص
الوجداني وفقاً لمقولة ابن جني:
(سوقاً
للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض
المراد).
فإننا
نقوم اليوم بفك إيحاءات أصوات هذه
الحروف في عملية استبطان واعية نصل بها
إلى المعنى المقصود والغرض المراد من كل
لفظة.
وإذن
ما دام العربي قد استعان بالشعور لإبداع
أصوات حروفه وألفاظه عن طريق التقمص،
وما دمنا نحن نستعين بالشعور ذاته للكشف
عن خصائص الحروف ومعاني الألفاظ عن طريق
الاستبطان:
ما
دام الشعور والحالة هذه، هو آلة إدراك
المشاعر ومعانيها.
هل
نجانب الحقيقة بعد الآن أن نقول:
الشعور
هو الحاسة السادسة المختصة أصلاً
بإدراك المشاعر الإنسانية وحالاتها؟
حسن
عباس - خصائص الحروف العربية ومعانيها
|