|
إن
حق الإنسان في الغذاء الكافي معترف به
في العديد من الصكوك بموجب القانون
الدولي. والعهد الدولي الخاص بالحقوق
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
يعنى بصورة أشمل من أي صك آخر بهذا الحق.
فطبقاً للمادة 11-1 من هذا العهد، تقر
الدول الأطراف "بحق كل شخص في مستوى
معيشي كاف له ولأسرته يوفر ما يفي
بحاجتهم من الغـذاء، والكساء، والمأوى
وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية"،
بينما تعترف، طبقاً للمادة 11-2، بأن
تدابير أكثر استعجالاً وإلحاحاً قد
تلزم لتأمين "الحق الأساسي في التحرر
من الجوع وسوء التغذية". وحق الإنسان
في الغذاء الكافي يتسم بأهمية حاسمة
بالنسبة للتمتع بجميع الحقوق. فهو ينطبق
على كل فرد ومن ثم فإن الإشارة في المادة
11-1 إلى "لنفسه ولأسرته" لا تعني أي
تقييد لانطباق هذا الحق على الأفراد أو
على ربات الأسر. وبالرغم من أن المجتمع
الدولي أعاد أحياناً كثيرة التأكيد على
أهمية الاحترام الكامل للحق في الغذاء
الكافي، لا تزال هناك فجوة مثيرة
للانزعاج تفصل بين المستويات المحددة
في المادة 11 من العهد والحالة السائدة
في العديد من أنحاء العالم. فهناك ما
يزيد على 840 مليون شخص في أنحاء العالم،
معظمهم في البلدان النامية، يعانون من
الجوع المزمن، وملايين الأشخاص يعانون
من المجاعة نتيجة للكوارث الطبيعية
ولتزايد الصراعات المدنية والحروب في
بعض المناطق واستخدام الغذاء كسلاح
سياسي. وتلاحظ اللجنة أنه برغم ما تتسم
به مشاكل المجاعة وسوء التغذية في
البلدان النامية من حدة بالغة في الكثير
من الأحيان إلا أن سوء التغذية ونقص
التغذية ومشاكل أخرى ذات صلة بالحق في
الغذاء الكافي والحق في التحرر من الجوع
قائمة في بعض أكثر البلدان تقدماً
اقتصادياً. وجذور مشكلة الجوع وسوء
التغذية لا تكمن بالأساس في الافتقار
إلى الأغذية بل تكمن في حرمان قطاعات
كبيرة من السكان في العالم من سبيل
الحصول على الغذاء المتوفر لأسباب منها
الفقر.
المضمون
المعياري للمادة 11، الفقرتان 1 و2
يتم
إعمال الحق في الغذاء الكافي عندما يتاح
مادياً واقتصادياً لكل رجل وامرأة وطفل
بمفرده أو مع غيره من الأشخاص، في كافة
الأوقات، سبيل الحصول على الغذاء
الكافي أو وسائل شرائه. ولذلك لا ينبغي
تفسير الحق في الغذاء الكافي تفسيراً
ضيقاً يقصره على تأمين الحد الأدنى من
الحريرات والبروتينات وغير ذلك من
العناصر المغذية المحددة. إذ سيلزم
إعمال الحق في الغذاء الكافي بصورة
تدريجية. بيد أن الدول ملتزمة أساساً
باتخاذ التدابير اللازمة للتخفيف من
أثر الجوع على النحو المنصوص عليه في
الفقرة 2 من المادة 11 حتى في أوقات
الكوارث الطبيعية.
كفاية
واستدامة توفر الغذاء وسبيل الحصول
عليه
لمفهوم
الكفاية أهمية خاصة فيما يتصل بالحق في
الغذاء لأنه يستخدم لإبراز عدد من
العوامل الواجب أن تؤخذ في الاعتبار في
تحديد ما إذا كانت أنواع معينة من
الأغذية أو النظم الغذائية المتاحة
يمكن اعتبارها في ظروف معينة هي أنسب
الأنواع لأغراض المادة 11 من العهد.
ومفهوم الاستدامة مرتبط ارتباطاً لا
انفصام له بمفهوم الغذاء الكافي أو
الأمن الغذائي ويعني توفر إمكانية
الحصول على الغذاء حاضراً ولأجيال
المستقبل على حد سواء. والمعنى الدقيق
لكلمة "كفاية" يتحدد إلى مدى بعيد
بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
والثقافية والمناخية والإيكولوجية
وغيرها من الأوضاع السائدة على حين أن
"الاستدامة" تنطوي على مفهوم توفر
الغذاء وإمكان الحصول عليه في الأجل
الطويل.
وترى
اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية
أن
المضمون الأساسي للحق في الغذاء الكافي
يعني ما يلي:
توفر
الغذاء بكمية ونوعية تكفيان لتلبية
الاحتياجات التغذوية للأفراد وخلو
الغذاء من المواد الضارة وكونه مقبولاً
في سياق ثقافي معين؛
وإمكانية
الحصول على الغذاء بطرق تتسم
بالاستدامة ولا تعطل التمتع بحقوق
الإنسان الأخرى.
والاحتياجات
التغذوية تعني أن النظام الغذائي ككل
يتضمن خليطاً من المغذيات اللازمة
للنمو الجسمي والنفسي، ولنماء وتطور
النشاط البدني وتكون هذه المغذيات
متمشية مع الاحتياجات الفيزيولوجية
البشرية في جميع مراحل الحياة ووفقاً
لنوع الجنس والمهنة. ولذلك قد تدعو
الحاجة لاتخاذ تدابير لإدامة وتطويع
وتعزيز التنوع التغذوي والاستهلاك
الملائم ونماذج الرضاعة بما في ذلك
الرضاعة الطبيعية مع تأمين كون
التغييرات فيما يتوفر ويتاح الحصول
عليه من الأغذية كحد أدنى لا يؤثر
تأثيراً سلبياً على التركيبة التغذوية
والمدخول من الغذاء.
الخلو
من المواد الضارة يحدد اشتراطات
للسلامة الغذائية وجملة من التدابير
الوقائية التي تتخذ بوسائل عامة وخاصة
لمنع تلوث المواد الغذائية بشوائب و/أو
بسبب انعدام الشروط البيئية الصحية أو
المناولة غير السليمة في مختلف المراحل
التي يمر بها إنتاج الأغذية، ويجب الحرص
على تحديد وتجنب وتدمير التكسينات التي
تحدث في الطبيعة.
مقبولية
الغذاء من الوجهة الثقافية أو وجهة
المستهلك تعني الحاجة إلى أن تؤخذ بعين
الاعتبار، قدر المستطاع، قيم مستشفة
غير العناصر المغذية وترتبط هذه القيم
بالغذاء وهموم المستهلك المستنير فيما
يتعلق بطبيعة الإمدادات الغذائية
المتاحة.
توافر
الأغذية يشير إلى الإمكانيات التي تيسر
إما تغذية الفرد لنفسه مباشرة
بالاعتماد على الأرض المنتجة أو
الموارد الطبيعية الأخرى أو على نظم
التوزيع والتجهيز والتسويق العاملة
بشكل سليم التي يمكن أن تنقل الغذاء من
موقع الإنتاج إلى الموقع الذي تدعو
الحاجة فيه إليه بحسب الطلب.
وإمكانية
الحصول على الغذاء تشمل الإمكانيات
الاقتصادية والمادية على حد سواء:
فالإمكانية
الاقتصادية تعني أن التكاليف المالية
الشخصية أو الأسرية التي ترتبط باقتناء
الأغذية من أجل تأمين نظام غذائي كاف
يلزم أن تكون بالمستوى الذي لا يهدد
الوفاء بالاحتياجات الأساسية الأخرى.
والإمكانية الاقتصادية لتأمين الغذاء
تنطبق على أي نموذج لاقتناء الأغذية أو
أهلية للحصول عليها وبها يقاس مدى ما
يتحقق من التمتع بالحق في الغذاء الكافي.
والمجموعات الضعيفة اجتماعياً مثل
الأشخاص الذين لا يملكون أراضي أو غيرهم
من قطاعات السكان التي تعاني من الفقر
الشديد قد تحتاج إلى عناية توفرها برامج
خاصة.
والإمكانية
المادية للحصول على الغذاء تعني أن
الغذاء الكافي يجب أن يكون متاحاً لكل
فرد بما في ذلك الأفراد ضعاف الجسم مثل
الرضع والأطفال الصغار والمسنين
والمعاقين بدنياً والمصابين بأمراض لا
شفاء منها والأشخاص الذين يعانون مشاكل
طبية مزمنة بمن فيهم المرضى عقلياً. وقد
يحتاج ضحايا الكوارث الطبيعية وغيرهم
من الأشخاص الذين يعيشون في مناطق معرضة
للكوارث وغيرهم من المجموعات المحرومة
بشكل خاص لعناية خاصة وبعض الاهتمام ذي
الأولوية فيما يتعلق بالحصول على
الغذاء. وهناك ضعف خاص يعتري الكثير من
مجموعات السكان الأصليين الذين تكتنف
الأخطار سبيل وصولهم إلى أراضي أجدادهم
الالتزامات
والالتزام
الرئيسي يتمثل في اتخاذ خطوات تسمح،
تدريجياً، بالإعمال الكامل للحق في
الغذاء المناسب. وهذا الأمر يفرض
التزاما بالتقدم بأسرع ما يمكن نحو بلوغ
هذا الهدف. وكل دولة ملزمة بأن تضمن لكل
فرد في ظلّ ولايتها القضائية الحصول على
الحد الأدنى من الغذاء الأساسي يكون
كافيا ومغذيا بصورة مناسبة ومأمونة،
وأن تضمن تحرر الفرد من الجوع.
والحق
في الغذاء المناسب، مثل أي حق إنساني
آخر، يفرض ثلاثة أنواع أو مستويات من
الالتزامات على عاتق الدول هي:
الالتزامات بالاحترام، والحماية،
وبالإعمال. والالتزام بالإعمال بدوره
يشمل الالتزام بالتسهيل والالتزام
بالتوفير. والالتزام باحترام السبيل
المتوفر للحصول على الغذاء المناسب
يستلزم من الدول ألا تتخذ أي تدابير
تسفر عن الحؤول دونه. والالتزام
بالحماية يستلزم أن تتخذ الدولة تدابير
لضمان عدم قيام أفراد أو شركات بحرمان
الأفراد من الحصول على الغذاء المناسب.
والالتزام بالوفاء (تسهيل) يعني أنه يجب
أن تشارك الدولة بصورة نشطة في الأنشطة
المقصود منها أن تعزز وصول الناس إلى
موارد ووسائل ضمان مقومات عيشهم، بما في
ذلك الأمن الغذائي، واستخدام تلك
الموارد والوسائل. وأخيراً، وكلما عجز
فرد أو جماعة، لأسباب خارجة عن نطاق
إرادة هذه وذاك، عن التمتع بالحق في
الغذاء المناسب بالوسائل المتاحة للفرد
أو الجماعة، يقع على عاتق الدول
الالتزام بأن تفي (توفر) بذلك الحق
مباشرة. ويسري هذا الالتزام أيضا على
الأشخاص ضحايا التنفيذ على الصعيد
الوطني
|